للرجوع للموقع الرئيسى
للرجوع للمكتبة الإسلامية

الإسلام
كتاب ( لغة السياسة في الإسلام )
تأليف برنار لويس
ترجمة دكتور / إبراهيم شتا
نشر بمجلة
وهذا كتاب آخر من الكتب التي قدم كاتبوها فكرتهم وتصوراتهم عن الإسلام في قضية معينة أو في مجموعة من القضايا ، وقد قامت بنشره دار قرطبة للنشر والتوثيق والأبحاث ، والعنوان ترجمة حرفية لعنوان الكتاب الأصلي The Political Language Of Islam لمؤلفه برنار لويس ، ويرتكز الكتاب علي مجموعة محاضرات نظمتها مؤسسة أكسكسون وجمعية الفكر الاجتماعية في جامعة شيكاغو في الفترة ما بين 29 أكتوبر و 4 نوفمبر 1986 .
ومما يلفت النظر وبشدة أن تري كاتباً مثل برنار لويس يؤلف كتاباً يتحدث فيه عن المفردات السياسية التي استخدمها المسلمون في السياسة وفي كل ما يتعلق بها كنظام الحكم وعلاقة الحاكم بالمحكوم والسلطة التشريعية في الأمة المسلمة ، غير أن هذا يعكس اهتمام هؤلاء القوم بكل ماجاء به الإسلام بل وبما درج المسلمون علي استخدامه من الكلمات والتعبيرات مما لم يكن موجوداً في العصر الأول ، كما أنه بشكل أو بآخر يمثل بالنسبة لهم مجالاً ليخرجوا بعض ماتختزنه مخيلتهم عن الإسلام والمسلمين ، لهذا السبب بالذات ومهما كانت درجة الإنصاف في أي كتاب نقرأه لهؤلاء فلابد أن تجد فيه بعض الكيد والتزييف تقل حدته وتزيد من كاتب لآخر .
الكاتب كما يعرف نفسه مؤرخ ومتخصص في الإسلام مهنة وخبرة ، ويعرف كتابه الذي بين أيدينا علي أنه يتناول إسهامات علماء السياسة وعلماء النفس وعلم الدلالة وخاصة فيما يتصل باستخدام الاستعارات والرموز ، ويقول إنه يعرض لهم فقط ويحاول بقدر الإمكان عدم التدخل في أرائهم أو تخصصاتهم ، والكتاب في مجملة صياغة سياسية يجب أن يطلع عليها العلماء والمفكرون ، إذ أن مافيها من جهد في الجمع والتلخيص والعرض قل أن يوجد مثله .
يعترف الكاتب في جرأة أن نظرة الغرب للدين تقوم علي أساس أنه جزء مستقل ومنتزع من الحياة ويتعلق بأمور معينة ، ويعترف بخطأ الغرب في تعميم هذه النظرة علي العالم الإسلامي ، ويقول : إن الأمر ليس كذلك في العالم الإسلامي ولم يكن كذلك أبداً ، فلم تكن هناك في الإسلام الكلاسيكي حدود فاصلة بين المسجد والدولة بخلاف المسيحية التي يرجع وجود السلطتين فيها إلي المؤسس الذي أوصي بأن يعطي مالقيصر لقيصر وما لله لله ، ويؤكد الكاتب علي أن الإسلام وثيق الصلة بالسياسة داخلياً وخارجياً ، ومن الناحية العملية فإن في دستور الحكومات التي تحكم أغلبية مسلمة يُنص علي أن الإسلام هو دين الدولة وكثير منها يضع في دستوره مادة تنص علي أن الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع أو مصدر من مصادر التشريع .
أما المحاولات التي تمت في العصر الحديث وتحديداً في القرن التاسع عشر والقرن العشرين لكي تجعل الأمر فيه سلطتان ، فيعترف الكاتب بأن هذا تغريب للإسلام ، وأن هذه المحاولات ينظر إليها في العالم الإسلامي علي أنها انحراف غير طبيعي ، وهذا الانحراف قد انتهي في إيران ويوشك علي الانتهاء في أقطار إسلامية أخري .
ويطرح الكاتب سؤالاً يعتبره رئيساً ومعقداً وهو : ماهو مكمن القوة في الإسلام أو جاذبيته كمجال ولاء وأساس ثورة ؟ ويقدم عدة نقاط تمثل ركيزةً للإجابة عن هذا السؤال ، منها : أن الإسلام في معظم الأقطار الإسلامية هو المعيار الرئيسي للتماثل والهوية العامة والولاء ( وليس العرق أو اللغة ) ، ونقطة أخري تتمثل في أن الإسلام بالنسبة لغالبية المسلمين هو الأساس الأكثر قبولاً للسلطة وفي أوقات الكوارث هو الأساس الوحيد وهو مصدر الشرعية للحكومات ، ونقطة ثالثة هي أن الإسلام أكثر النظم تأثيراً للتعبئة السياسية .
ويري الكاتب أن لغة الخطاب السياسي عند المسلمين حُرفت خلال القرن الأخير تحت تأثير عوامل خارجية ، وللوقوف علي مدي التغير في لغة الخطاب السياسي فيجب الرجوع إلي مرحلة ماقبل التأثير الهائل للسيطرة الغربية والفكر الغربي وهي المرحلة التي كان العالم الإسلامي فيها لايزال متقدماً وصانعاً للحضارة والاستقرار ، و يشير الكاتب إلي أن تلك الحضارةعبرت عنها ثلاث لغات هي العربية والفارسية والتركية وهي وإن كانت مختلفة من الناحية اللغوية إلا أنها شديدة التقارب من الناحية الحضارية وتشترك في أبجدية عامة .
وعن نشأة الهيكل السياسي لأمة الإسلام يعترف الكاتب بأنه بدأ بالنصر وظهور الامبراطورية علي العكس في المسيحية إذ نشأ هيكلها السياسي ( عبر الكاتب عنها بالحضارة الغربية المسيحية ) في معمعة الفوضي الكاملة وعند سان أوغسطين أول منظر سياسي مسيحي يعد الهيكل السياسي شيئاً شريراً ( لعل هذا هو أصل فكرة دع مالقيصر لقيصر وما لله لله ) ويعترف الكاتب بأن الكتابات الإسلامية السياسية ترجم الكثير منها إلي اللغات الغربية وأحدثت تأثيراً ملحوظاً علي تقدم الفكر السياسي في أوروبا 0
وعن توزيع الأدوار في الأمة المسلمة يذكر الكاتب أن الوظيفة الأولي للحكومة المسلمة في الدولة التي أسست ( من قبل الله ) أن تمكن الفرد المسلم من أن يحيا حياة طيبة قوامها المسئولية المشتركة بين الحاكم والمحكوم لتحقيق هدف عظيم وهو ( إحقاق الحق وإبطال الباطل ) وهي تستند في أمورها السياسية وفي كل الأمور الأخرى إلي الوحي ، وبناء علي ذلك فإن نظرة المسلم التقليدية أن الدولة لاتسن القوانين لكنها هي نفسها مخلوقة ومحفوظة بالوحي ، فليس للحاكم أن يبطل الشريعة أو يعدل فيها وليس له وفقاً لهذه الشريعة أن يوسع في حدود سلطاته ، ويؤكد علي نفس المفوم في موطن آخر من الكتاب بقوله : إن الحاكم والمحكوم علي السواء كلاهما محاط بتكاليف مفروضة عايه بموجب الشريعة الإسلامية ، كلاهما أمام الله ، وكل منهما أمام الآخر ، وواجب الطاعة للسلطة الشرعية ليس مداراة نفعية سياسية بل هو تكليف ديني ومن ثم فإن شق عصا الطاعة إثم كالجريمة تماماً ، إلا أن سلطة الحاكم وطاعة المحكوم مقيدتان بالقانون الذي يحيط بالجميع وبنفس الدرجة لافرق بين الحاكم أو أدني عبيدة في ذلك ، كما يعترف الكاتب بأن الشريعة الإسلامية لم تخول أحداً قط سلطة مطلقة ولهذا فإن النظام الذي يكون فيه الحاكم مستبداً مطلق اليد إنما هي صورة زائفة وشاذة سواء في النظرية أو التطبيق .
ثم يعترف الكاتب بشكل فيه جرأة ليست معهودة عند المعاصرين من الغربيين أو مؤيديهم من العلمانيين إذ يقول : إنه لاكهنوت في الإسلام ولو حتى بشكل نظري ، وليس هناك منصب كهنوتي للوساطة بين الله والفرد المؤمن ، وحتى مع ظهور آيات الله عند الشيعة في آواخر القرن التاسع عشر فإنه لايوجد حتى الآن كهنوت بالمعني اللاهوتي الدقيق .
كما يبين الكاتب أن أقدم حركات المقاومة في البلدان الإسلامية ضد النفوذ والتوسع الاستعماري الأوروبي في القوقاز الروسية وفي شمال أفريقية وفي الهند وفي شرق الأنديس ( الألماني ) كلها دينية في طموحاتها وأيديولوجيتها وصيغ تعبيرها ولم يحدث أن بدأ مفهوم آخر ( الحرية أو الوطنية أو الاستقلال ) للمقاومة في الظهور بين الرعايا المسلمين حتى عصر الاستعمار الحديث الذي أحدث تحولاً في المفاهيم فتنكرت المقاومة لثوابتها التارخية وصارت تنظر إلي النظم علي أنها أجنبية أو مستعمرة ، وبلغ الأمر أشده حينما أعيد النظر إلي السلطان العثماني المسلم الذي كان معترفاً به من الأغلبية الساحقة من رعاياه العرب وغير العرب فأعيد تعريفه كمستعمر أجنبي .
وعلي الرغم من التقارب الشديد بين كتابات علماء الأمة وبين ماسطره الكاتب في موضوع هذا الكتاب إلا أن الأمر لايخلو من سقطات ، بعضها في غاية الشناعة منها مايروج له الكاتب من أن أصول السياسة في القرآن الكريم والسنة النبوية وممارسات المسلمين الأوائل تستمد أصولها بشكل تصاعدي من بلاد العرب القديمة ومن المعتقدات الدينية المختلفة كالمسيحية واليهودية وبعض المعتقدات الوثنية ، وكانت ولازالت هذه الفرية مادة رئيسة في كل كتابات المستشرقين علي الرغم من مخالفتها للواقع ، ولعمري هل لوهدم الإسلام كل ماكان موجودا أفيكون ذلك إنصافاً ؟ إنه لايمكن أن يكون إنصافاً ، فإن الموروثات البشرية منها الصالح والفاسد فلا حرج أن يبقي الإسلام علي الصالح منها ، ويبطل مايتنافي مع العقل والفطرة من مسالك السابقين ومعتقداتهم ، فهو إن أبقي علي شيء كان موجوداً فليس ناقلاً بل مؤكداً لها بالنصوص والممارسة ، أضف إلي هذا أن هذا الأمر جري في أضيق الحدود ، والمقارنة الدقيقة تظهر تبدل الأحوال شبه الكامل عما كان عليه الناس قبل الإسلام وقيام دولة الخلافة .
وفي نفس السياق يذكر الكاتب أن الخبرة العملية للامبراطوريتين الفارسية والرومانية ساعدت في رسم صورة الحكومة الإسلامية عن طريق ترجمة الحوليات الفارسية في الإدارة وغيرها ، كما يذكر الكاتب أن التأثر قد وصل اللغة نفسها بل والقرآن الكريم أيضاً حيث يري بأن مكة توصف في القرآن بأنها ( أم القري ) ويقول إنها ترجمة حرفية لمصطلح يوناني ( Metropolis ) وكذلك ( الصراط المستقيم ) ماهو إلا الطريق الروماني المستقيم ( Strata ) .
وإذا كان الكاتب يري ذلك علي النصين المقدسين القرآن والسنة ، فلا عجب أن يذكر مثل ذلك عن مؤرخي الإسلام ومفكريه ، فعلي الرغم من اعتراف الكاتب بأثر الكتابات السياسية الإسلامية علي تقدم الفكر السياسي في أوروبا ، إلا أنه يقدمها علي أنه فلسفة سياسية لها أصول في الترجمة العربية القديمة والمعربات عن اليونانية القديمة وبخاصة لأفلاطون وأرسطو ، ويقول : إن الفلاسفة المسلمين كانوا مهتمين بتوفيق النظريات الفلسفية التي ورثوها عن العصور القديمة مع تعاليم الإسلام ، ثم يؤكد علي أن هذا الأدب قد لقي من الاهتمام في الغرب مالم يلقه بين المسلمين .
إذا فحسب الكاتب فإن ولع العلماء المسلمين بالفلسفة اليونانية قد دفعهم إلي محاولة التوفيق بينها وبين تعاليم الإسلام بل ويذهب أبعد من ذلك حينما يرمي طائفة من العلماء بالوضع لما يرونه مصلحة وبخاصة في المجالات السياسية ( وبإيحاء يوهم بأن هو هذا هو مسلك عامتهم ) حيث يعتبر أن من منهجية وضع الأحكام في الإسلام انتحال بعض الأحاديث ونسبها إلي الرسول صلي الله عليه وسلم ، حينما ذكر ص 71 حديثاً عن الخلفاء والأمراء ثم قال : والحديث منتحل بالتأكيد ، ويدخل في باب نمط توضع فيه بعض الأحكام أو الآراء المتضمنة لأحداث القرون الأولي من الإسلام وتعود القهقري لتوضع علي لسان الرسول ( صلي الله عليه وسلم ) .
ومما يلفت النظر تلك العبارات التي يطلقها الكاتب بين الحين والحين وهو لايستخدمها لذاتها ولكن يبرهن بها علي قضية أخري ، إلا أن لها وجهاً في منتهي الخطورة ، فترديدها بمثل هذه الصورة السهلة والتلقائية يعطيها مصداقية لاتنبغي لها ، ويمكن أن تشكل مصطلحاً يجري تداوله فيما بعد ، منها أن خروج الرسول من مكة كان هرباً من الحكم الوثني ويرده أن الرسول عرض عليه أن يكون الحاكم فأبي ، ومنها أن الضرورة مبدأ طرحه الفقهاء المسلمون لكي يبرروا قبول أوضاع ليست مقبولة في حد ذاتها ، ويرده أن الضرورة إنما تخفيف لبعض الأحكام الشرعية عن حالات بعينها في ظل ظروف معينة .
كتبه
مرسي بسيوني مرسي
جميع الحقوق محفوظة لموقع من المكتبة الاسلامية